لعل أدق توصيف لعام 2025 هو أنه كان -إن صح التعبير- «حالة» مكثفة من المدافعة والتحولات؛ عامٌ تباينت فيه النتائج بين كسبٍ وخسارة. وجرت العادة أن تكون لي «وقفة» مع النفس في مثل هذا التوقيت؛ أجرد فيها الحساب، وأُخضِع أهدافي لمساءلة صارمة: ما الذي تحقق منها واقعاً؟ وما الذي بقي حبيس الورق؟ ولماذا؟ وهذه المرة، ارتأيتُ أن أنقل هذه المراجعة من حيز «الخاص» إلى فضاء «المشاركة»، وأزعم أنني أريد تحريرها من سطوة «الاستعراض» (Show-off) الذي يغرق هذه المنصة لتكون مادة للنقاش وتبادل الخبرات ولعلي اكسب بهذا المنشور أصدقاء جدد.
إدارة الطاقة لا إدارة الوقت
كشف لي هذا العام عن وهمٍ قديم لطالما اعتنقته حول "إدارة الوقت"، لأدرك تحت وطأة التجربة أن الإشكال الحقيقي ليس في الوقت ذاته، بل في "إدارة الطاقة" ورسم الحدود. فحين تزاحمت استحقاقات الماجستير والعمل مع الالتزامات الأسرية في سياق زمني واحد، دُفعت "الكلفة الخفية" بصمت من رصيد "البنية التحتية" التي يقوم عليها كل شيء، وأعني بها الجسد والصحة. لقد كان الدرس قاسياً أكثر من 7 كيلو في زيادة الوزن ومن يعرفني جيداً يدرك مقدار خوفي وتأرقي من زيادة الوزن. لذا، إعادة الاعتبار للملف الصحي في 2026 هي ضرورة لترميم البنية التحتية.
من فوضى التعلم إلى تأسيس المعرفة
وعلى الضفة الأخرى، وفي خضم هذه المدافعة، كان لا بد من حسم ملف المعرفة بنقله من حالة "فوضى التعلم" والفضول المشتت إلى "تأسيس المعرفة" لسنوات طويلة، التزمت بـ "ساعة تعلم" صباحية صارمة قبل الدوام؛ أقرأ وأتعلم فيها شتاتاً من المعارف (ذكاء اصطناعي تارة، واستراتيجية تارة أخرى). لكن الإشكال الذي واجهته في 2025 هو "تشتت الجهد". تساءلت: لماذا يبقى هذا الجهد مبعثراً؟ من هنا جاء قرار دراسة الماجسيتر لم يكن بحثاً عن "اللقب" بحد ذاته، بل كان محاولة لجمع هذا الشتات في إطار منهجي موحد، وتركيز الطاقة الذهنية في مسار واحد بدلاً من توزيعها، خصوصاً بعد قبولي من إحدى أفضل 40 جامعة عالمياً، مما جعل التحدي استحقاقاً لا بد منه. وهذا السعي المعرفي لم يكن لينفصل عن الواقع المهني، حيث تيقنتُ - بما لا يدع مجالاً للشك - أن الفرد مهما علا كعبه لا يعمل في فراغ، وأن العمل ضمن سياق "المنظومة" والفريق المتميز هو الرافعة الحقيقية التي تحول الجهد الفردي إلى أثر ملموس فعلى صعيد العمل في (عِلم)، أزعم أنني محظوظ بالعمل مع "أفضل فريق" ودائماً ما ارددها وزملائي وفريقي يعلمون بما أكنه من مشاعر.
ضريبة التعلم
ولأن التجربة البشرية بطبيعتها مجبولة على النقص، فقد خضتُ غمار تأسيس شركتين ناشئتين (Startups) لم يُكتب لهما الاكتمال. في القاموس المادي قد يُسمى هذا فشلاً، لكنني أسميه في "ميزان المعرفة" دفعاً لـ ضريبة التعلم؛ تلك الضريبة الضرورية لإدراك الفجوة العميقة بين "شطحات التنظير" و"إكراهات الواقع"، واكتشاف أن العدو الأخطر للرائد ليس شح الموارد، بل العجز عن ضبط التشتت.
Vibe Coding — مهارة العام
لكن، وفي زاوية مقابلة أكثر إشراقاً، لو سألتني عن "مهارة العام"، لأحلتك فوراً إلى مفهوم (Vibe Coding). هنا مكمن التحول؛ لست مبرمجاً محترفاً، لكن لدي "مخزون" تقني قديم (هواية وعشق من أيام C++ والهندسة العكسية). هذا المخزون الكامن، حين التقى برافعة "الذكاء الاصطناعي"، تحول إلى ما يشبه القوة الخارقة. مارستُ هذا المفهوم، وطوعت الآلة لبناء أكثر من 10 أدوات تخدم سياقي الشخصي والمهني (معظمها Local حفاظاً على سيادة البيانات). ولعلي في قادم الأيام أشارككم نماذج لكيفية توظيف هذه الأدوات في تحسين جودة الحياة، وإن كنت لا أبرئ نفسي من "انحياز" المحب للتقنية، وربما الوهم الجميل!
الكلفة العائلية
ورغم هذا الزخم، يجب أن نكون صادقين في كشف الحساب، فلكل إنجاز ضريبة، وضريبة 2025 دُفعت مع الأسف من رصيد العلاقات والوقت العائلي، في مفارقة عجيبة بين ما اردده نظرياً عن أولوية العائلة، وبين ما امارسه واقعياً من تقصير يحتاج إلى استدراك عاجل وتصحيح للمسار.
قائمة القراءات والمواد
ولئلا تجف الروح وسط هذه المعمعة، أضع بين أيديكم أدناه قائمة انتقائية لما صحبتُه هذا العام من كتب ومواد واستمتعت بها:
- كتاب (How Will You Measure Your Life) قرأته بالعربية ثم بالإنجليزية، وهو كتاب مفصلي في إعادة تعريف معايير النجاح.
- كتاب (Naked Economics) محاولة لفهم الاقتصاد وتعرية مفاهيمه.
- كتاب (The Invisible Employee) الذي تمت مناقشته في سياق "مجتمع الثقافة التنظيمية".
- كتاب (No Bullshit Time Management) الذي احتوى أفكاراً عملية رغم التحفظ على بعض طرحه.
- كتاب (Darwin on Trial): ولعل البعض يستغرب هذه "الشطحة"، لكن من يعرفني يدرك شغفي بالملفات الفكرية والعلمية الجدلية.
- وثائقي (Expelled: No Intelligence Allowed): قديم، لكن شاهدته مؤخراً، يطرح تساؤلات عميقة حول حرية البحث العلمي.
- بودكاست (Andrew Huberman): كمادة علمية دسمة وثرية.
خاتمة
ختاماً، لو عاد بي الزمن لبداية العام، لهمست لنفسي: "كن صادقاً في جعل صحتك وعائلتك مشروعاً استراتيجياً لا يقبل المساومة". وعزاؤنا أننا نمضي على سنة الحياة: نتعلم، ننجز، نتعثر، ثم نحاول مرة أخرى.
